Free Web Hosting by Netfirms
Web Hosting by Netfirms | Free Domain Names by Netfirms

الكاتب

أسد دواره

اقرأ أيضاً للكاتب

بعض تحديات القصة القصيرة

قراءة نقدية في قصة دانتيلا

 
 

اتصل بالكاتب

عدد القراءات

Hit Counter

 

 

تاريخ النشر

13-07-004

 

    تصاعد الحدث في قصة " مدينة لوبيز " للكاتب عبد الرحمن حلاق

بقلم أسد دواره

 العنوان الذي اقتبسه القاص من قراءته لأحد الاعلانات في مجلة مشهورة, تحول على ريشة الكاتب والناقد السوري عبد الرحمن حلاق إلى عمل قصصي يختزل بأحداثه تاريخاً من المعاناة وشظف العيش والقهر الذي يعاني منه العرب عموماً.

تقوم القصة أساساً على المفارقة بين الغرب الذي تمثل في اللوحة الاعلانية التي تؤمن فيها المغنية الأمريكية " جنيفر لوبيز " على مؤخرتها بمبلغ مليون دولار, وما يمثله هذا العمل وهذا الرقم الصعب تحديداً لمواطن يقف عاجزاً عن شراء كيلو واحد من اللحمة. لا بل يتعدى ذلك إلى تصوير الكاتب بعض التفاصيل التي تظهر لنا طبيعة القهر الذي يعاني منه " عكروش" بطل القصة كنموذج لمواطن عربي أنهى تعليمه الجامعي ليلقى نفسه بعد كل هذا العناء مضطراً لبيع فكره مقابل العيش, والتي تنتهي به لدفع ثمن رفضه وصراخه الذي تصاعد كما روحه على شارعنا العربي.

الحدث الذي بدأه الكاتب بحوار يرويه الكاتب نفسه بمحل الجزار " أبو سيفو " والذي لم يكن ليتوقع حتى أن يجد أمام محله " عكروش " نفسه , ولو حتى ناظراً وتواقاً لكسر الحاجز المادي بينه وبين كيلو غرام من اللحمة. هذا الحدث يتصاعد ويبدأ بالتأزم عندما يهم عكروش لشرب الماء بعد أن صعق بسعر حلمه " سارع عكروش هاجماً دونما تفكير على كأس الماء المتروك على طاولة جانبية ، ارتشف ما تبقى فيه علّ الكلمة التي وقفت بالعرض في حلقه تتزحلق إلى مجاهيل أمعائه.." بل يتحول مجرد التفكير والنظر إلى الحلم حلماً آخر عليه أن يدفع ثمن تحقيقه.

من هذا الحوار البسيط والعميق والمختزل بين الجزار وعكروش يعد الكاتب بطله إلى دخول مأزق آخر يدخلنا فيه أيضاً عندما يخرج القارئ مع عكروش ويبدأ بقراءة خبر لامع في جريدة مشهورة اختار الكاتب عنوانها بدقة " الحقيقة المرة " لتمثل لنا عنواناً آخر من عناوين الهزيمة التي نعاني منها والتناقض الذي يسري أمامنا يوماً بعد يوم.

((وروت الممثلة الكوميدية ميغان مولالي انطباعاتها عن لقائها بجينيفر لوبيز قائلة : إن الزميلة لوبيز تملك مؤخرة ذات قياسات غير عادية وشكل غير طبيعي .... ولا شك أن لوبيز جميلة جداً ، لكن مؤخرتها فاتنة وآسرة ، ولا أتردد في القول إنها ببساطة ساحرة ، وتجعلك في حالة كأنك منوّم . تبدو وكأنها تنتمي إلى كائنات لا نعرفها وليس إلى إنسان ، إنها مؤخرة مدهشة تكاد لا تصدق ، لكنها تؤثر فيك ، وتترك لديك انطباعاً جميلاً )) *

بهذا العنوان يأخذ الحدث اتجاهاً آخر يظنه القارئ للوهلة الأولى ابتعاداً عن مقدمة النص ولكنه أتى مكملاً تماماً لمعاناة عكروش أفندي التي لم تتوقف عند موت حلمه بشراء اللحمة لعجزه المادي, بل تتعاظم معاناته عندما يدخله الكاتب ببراعة في مفارقة عجيبة تأتي منسجمة تماماً مع الحدث, فالمعاناة الشخصية التي تحدث عنها الكاتب بدايةً تتحول إلى الحديث عن معاناة شعب تمثلت في عجز معظمه عن ايجاد مسكن" مليون دولار ؟! ثمن مؤخرة ... يخرب بيتها لو وقعت في يد سيفو الجزار لباعها بالغرام ، وربما استبدل دكان اللحمة بمكتب عقاري وباعها بالسنتيمتر مربع ، وأنا متأكد أن كل سنتيمتر واحد سيبني بثمنه عمارة تسكن فيها عشرات العائلات ، إي بشرفي مؤخرتها تبني مدينة كاملة.." تتعداها للحديث عن معاناة الوطن بكامله من خلال عرضه لمأساة الواقع العربي متمثلاً بالوضع في فلسطين والعراق " العالم كله منشغل بأخبار الحقيقة المرة ونحن ....؟! نعم نحن ! يالنا من صغار ! مازلنا نبحث في مشاكل صغيرة منذ خمسين عاماً ونحن نلوك فلسطين والقدس والآن العراق والفلوجة وكربلاء والنجف . نعم . نعم مازلنا صغار..", ثم يتذكر الكاتب على لسان بطله المأزق الذي يعاني منه المفكرون العرب أمام المصاعب المادية والتي تودي بالبعض منهم إلى تقديم التنازلات في سبيل لقمة العيش, فعكروش اضطر لبيع أحد كتبه ليضعه مسؤول معروف باسمه " أما زلت تهتم بإعادة إعمار العراق ؟ ألم أقل لك ياعكروش أننا صغار ؟ ها أنت تثبت لنفسك أيضاً أنك صغير وتافه مثل حشرة صغيرة ، رغم أنف شهادتك الجامعية ، ورغم أنف مؤلفك الشهير الذي بعته بثمن بخس لصاحب دار الدفاع ، ونسبه لنفسه ، نعم صغير أنت.. ".

يتصاعد حدث القصة على وتيرة الحالة النفسية التي يعانيها المواطن الفقير عكروش والتي تجلت أولاً بعجزه المادي في بلد بخس العلم حقه وإلا لما وجد نفسه على قارعة الطريق فارغ اليدين من حلمه البسيط. وعندما يدخل في مفارقة عجيبة تتكشف له خيبته وهزيمته كفرد والتي تنميها احساسه بهزيمة شعب بأكمله ارتضى بالارتهان للحقيقة المرة, وارتضى بأن يصغر ويتنازل تدريجياً أمام معاركه , وأن تتحول هزيمته إلى أمر عادي لا يهتم به أبداً. الواقع المر يضرب عميقاً في ذاكرة عكروش فيدفعه للضحك بأعلى صوته كأول رد فعل عبثي على الواقع الذي بدأ بالتغلغل في شراينه ليتصاعد نحو أفكاره حاراً كدمائه " وانفجرت من أعماق صدره ضحكة جعلت كل من يراه يوقن حتماً أنه قد جن ، لكنه وكمن لم ير أحداً عاد يحدث نفسه ". ومع ازدياد المعاناة التي يشعر بها عكروش تبدأ بعض أساليب الرفض عنده بالتجلي فتغلي بأعماقه كلمة " لا " التي طالما ظلت حبيسة أنفاسه لدرجة أنها كادت أن تقضي عليه عند الجزار سيفو , وبعد أن يخرج رفضه بضع عبارات بدأ يهتف بها " راح الصوت يعلو تدريجاً والجسد يدور حول نفسه متراقصاً ومغنياً بآن .

البركان الذي انفجر بداخل عكروش فجأة يجعله لا يشعر كيف وضعه أفراد الأمن في سيارة الجيب, فقد أصبح كالمجنون حتى قبل أن يتأزم الموقف الموقف, ويدرك الصغير مدى ضعفه وعدم قدرته على الصمود نتيجة الهوة السحيقة بينه وبين العالم الذي أصبح الآن يعيش فيه وحيداً ومميزاً برفضه, وقبل هذا بتنازلاته وهو ما أفقده القدرة على المواصلة والتفكير العقلاني بما يعانيه حالياً, بل تتجدد حالة الصراع الداخلي لديه وتأخذ بعداً آخر يتصاعد فيه الحدث لأقصى درجات التأزم في الموقف عندما يدرك عكروش أنه وقع بين أمرين لا مفر منهما, فإما الموت بالسجن أو العزلة الاجتماعية التي ستجعله وحيداً بين الناس " ستبقى صغيراً ياعكروش ، أمضيت شبابك تلهث خلف مؤخرات أولاد تغريهم بسيكارة تارة وبقطعة نقدية تارة أخرى ، تقضي فيهم شهوتك الحيوانية إلى أن انفض الناس من حولك . ستموت وحيداً يا عكروش ربما بضيافة هؤلاء الفرسان ، تقتلك الحسرة على مؤخرة لن تراها إلا بصحيفة عربية ".

تراكم الاحداث في واقعه المؤلم ومخيلته المتشائمه يتصاعد مع شمس الظهيرة ليتوج في المفاجأة التي لم يتوقعها حتى عكروش نفسه والتي تمثلت بفتحه باب السيارة الخلفي ورمي نفسه صارخاً ملئ صدره " لا " . هذه الكلمة كانت الجواب الوحيد على الصراع الداخلي والخارجي الذي عانى منه عكروش, والتي مثلت دلالة واضحة على اتجاه آخر في حياة هذا المواطن وهو الرفض حتى لو كان ثمنه حياته هذه المرة فلا يملك شيئاً ليخسره غير تاريخ مهزوم.

كتبت بتاريخ 10-06-004