|
قراءة نقدية في قصة " دانتيلا" للشاعر والروائي المصري سمير الفيل.
بقلم أسد دواره
تسير بك القصة القصيرة باتجاهين يبدأ الأول بنظرة حزينة سوداوية على تفاصيل
المكان
"
البيت " الذي ترك رجله زوجته وحيدة لاتشعر بأي رغبة على ممارسة طقوس حياتها
الطبيعية " كان يوم إجازة لها وسط دولاب العمل ، فرأت أن تنتهز
الفرصة لتسترخى فى سريرها ، لاتطبخ ، لا تغسل ، لا تنفض
السجاد . .يوم من الأيام القليلة التى تمنح جسدها
المتعب فرصة الراحة ، والخمول اللذيذ ."
قد انزوت متكاسلة ليس لخمول جسدي
بقدر ماهو انعدام الرغبة بالقيام بأي عمل ما لانها لم تعد تشعر
نفس الشعور التي كانت تشعره بوجود زوجها وهكذا تقرر عدم
الرد على الهاتف وعدم مقابلة أحد وهي حالة نفسية نجح
الكاتب في نقلها ببراعة تمثلت في تراجع الرغبة لدى الزوجه على العيش
نتيجة الوحدة المرعبة التي تعيشها والشوق الذي يزداد مع كل
ذكرى تمر أمامها.
يصطدم السرد فجأة بعقدة القصة حيث يعرفنا الكاتب على سبب معاناة الزوجة
وهو سفر الزوج " بهتت وهى تشعر بدموعها تنحدر دون إرادة منها ،
ثم وهى تحدثه عن العصر الجليدى الذى غزا قلبها منذ
ودعته فى المطار " .
لقد اختصرت عبارة العصر
الجليدي ببراعة كل مشاعر الزوجة بعد سفر زوجها فهو العصر الذي
جمد تماماً رغبتها في الحياة الطبيعية.
لم يقفز الكاتب خلف حدث ما بل جاء السرد منسجماً متواتراً,
فالزوجة التي قررت بعد شعورها بالوحدة المرعبة اغلاق الستائر
وقفت وجهاً لوجه أمام الذكرى التي تمثلت بصورة حبيبها "
فى طريقها لتسدل الستائر الفستقية واجهها بصورته
..مدت
يدها لتنتزع الصورة بإطارها الذهبى المموج ." عندها دخلت الذاكرة لتغيير مجرى
الحدث وتقود بتواتر طبيعي إلى نتيجة معاكسة للبداية الحزينة
الموحشة التي بدأ الكاتب بوصفها. تمثل هذا التحول
باستجابة الزوجة بمسح الغبار عن صورة زوجها كدلالة
صادقة على عودته الرمزية ولو كان بعيداً , وهو الأمر الذي أشعرها أنها لم تعد
وحيدة بعد الآن وقد حلت الذكرى السعيدة محل الوحدة
الحزينة, وهاهي قد سمعت ضحكته تملأ عليها أرجاء البيت
وتسمع صوت أقدامه تتجه نحو الشرفة" سمعت ضحكته المجلجلة ترن فى
أرجاء الغرفة ، وصوته الأجش الخشن الذى يمكنها أن تميزه من ألف
صوت يواسيها . هى متأكدة أنه استدار بوجهه نحو الشرفة "
وهو التحول الذي اختاره الكاتب ببراعة ينتهي بأن تفتح
الزوجة نوافذ البيت مرة أخرى ليخرج منه ذاك الشعور بالوحدة والشوق والبعد
ويدخل بدون استئذان شعور مفعم بالحياة والرغبة باحتضان لحظاتها
حلوة كانت أم مرة " وقد رأت ان تتبعه ،و تفتح النوافذ
ثانية ؛ فهو يحب صخب الشوارع ، نداءات الباعة ، ضجيج
أطفال المدارس ، قامت وأعدت فنجانين من القهوة التركى العتيقة ! "
استطاع
الكاتب أن يلامس مشاعر الفراق والحزن باشد لحظاته, والذي أفرز
شعوراً مأساوياً بالانزواء بسوداوية فقدت لذة الحياة,
لينقلنا إلى رغبة بمعانقة الشمس والحرية والاندفاع
الارادي نحو الحياة بشعور يحدوه الأمل بالمستقبل والايمان بنوره القادم
من النافذة.
تم هذا بلغة وصفية مختصرة ومكثفة بآن معاً استطاعت طرق المعنى
المراد والاستطراد السهل والمتتابع والمنطقي لمجريات الأحداث
بتوافق وانسجام تام مع مشاعر الشخصية وتوترها.
عرض الكاتب مشكلة يعاني منها شريحة واسعة من المجتمع
الذي يضطر فيها رجل البيت على السفر بحثاً عن عمل بالدرجة
الأولى أو لأسباب أخرى تؤدي بالنهاية إلى حصول فراغ في
البيت تملؤه الذكريات التي تتحرك في كل أرجاء البيت
ويرتفع صوتها مع كل حدث. وانتهى برأي متفائل يدعو فيه لترقب المستقبل القريب
الذي لابد سيحمل بحره سفناً غيبها الأفق
|