|
شارلي العراقي مُتمرّداً على آلهة أزمنتنا الحديثة
قراءة نقدية في قصة العاصور للكاتب عبد الهادي
سعدون
في ( العاصور ) يدخل
"محروق إصبعه ، او عبدالهادي سعدون " مرحلة (الإستلاب) المُطلَقْ .. إذ ينتحلُ
، هنا ، صورة " شارلي شابلن " في " الأزمنة الحديثة " ليس بإختياره طبعاً ،
بقدر ما هو إستجابة لموقعه في (العالم الكبير..) !
وفي الوقت الذي يرى
فيه "الصعلوك شارلي" كلّ ما حوله على هيئة (صامولة) عليه ضبّها وتضبيطها ، بتلك
الحركة الآليّة المحدودة وبالسرعة التي تفرضها الآلة ، وتحت تاثير السرعة
والتكرار ، يرى أنف مسؤوله (صامولة) يهرع إلى تضبيطها ، وكذلك أزرار تنّورة
السكرتيرة وحُلمتها .. وكلّ شيء من حوله .. كلّ شيء ، فإن "عاصور" عبدالهادي
سعدون ، بحكم الإستلاب الذي يحياه في ظلّ شروط المجتمع نفسه ، مضروباً في تسعة
عقود من (التطوّر) ، يؤول به إلى المصير نفسه .. وهو ما سيقوده إلى التمرّد
عليه أيضاً ..
" الذي
سقط هو أنا ، فجئت كمن ينتقل من قُفّة عصير الرمّان إلى قُفّة كبيرة ( لا علاقة
لها بمجرى نهر ولا شقّ بحر ) لا أوّل ولا آخر لها وبقربي عصارة من الحديد
اللامع وصناديق من البرتقال."(ص76) " أتخيّل مشاهد عديدة بينما يداي تعملان
قصماً بالبرتقال الممتلىء "(ص76) .
" اخرج
أو لا اخرج فالبرتقالات تناديني "(ص76)
، ثمّ وهو يرفض أن يتشيّأ تماماً ، فيبتكر علاقته بالأشياء
" أحادث البرتقالات ، أسمّيها بما أعرف من أسماء و
ما ابتكر من أوصاف وماضٍ ورغبات"(ص77) .
و هو أيضاً يحلم
باللجوء إلى هولندا لأن لها لون العصير الذي يعمله..!
ولأنّه مُصادر
" أغلب المرّات أقتنع بلا سبب "(ص77) .
ولأنّه ضائع ، في
مجتمع ، يوغل في تصنيعه فإنّه " مضيت من مكان إلى
آخر مع ورقة سيرتي الذاتيّة بحثاً عمّن يقبلني أعمل عنده . ولأنّ الأماكن تشبه
بعضها فكثيراً ما ينتابني ما إنتاب جدّي وهو يظنّ إن المدن كلّها شبيهة ببغداد
، فكنت أخطىء المحلات ، فأعود لها أكثر من مرّة أسأل أصحابها عن إمكانيّة
تشغيلي"(ص78).
ولهيمنة الواقع ،
الذي أحاله إلى "عاصور" أو "العاصور" بلغة الجميع "
جاء العاصور ، مضى العاصور "(ص76) حتّى بات يعتقد بأنّه إنا ولد من فلقة
رمّانة "خرجتُ من كؤوس "جبّار أبو الشربت" عند حافّة
دجلة ، بعصير رمّانة ، لأصل عند الفندق وسط مدريد"(ص76) ولأنّه ليس
إستلاباً فرديّاً ما يحياه ، ولا يبدأ به أو ينتهي به ، فإنّ له أشباه لا يمكن
إحصاؤهم " يرميها بيدرو أو بيدرو أو بيدرو آخر
.."(ص76) .
ولإنّ ثمّة دائماً ،
وأينما كان ثمّة "مرشد" و"رئيس وزراء" و"دليل" و"مخبرون"، فلدينا هنا "كبير
طبّاخي الفندق"(ص76) ألذي يشير له / أو يُشار له / ب(الكبير) ، والذي سنكتشف
فيه إستمراراً آخر ل(مُنعم فرات):" الإشارة الآن هي
إنّني أصبحت معروفاً للجميع بسبب من إهتزاز حدبة كبير طبّاخي الفندق ، الذي لم
أرَه بعد ذلك ربّما لأعوام ، بينما يؤكّد الجميع بأنّه يراقب عملي كلّ ليلة دون
أن أشعر به"(ص79).
وينتحلُ الكبير ، هنا
، صفة إله آخر ، إله رأس المال المُعاصر .. فهو أقرب إلى"الأخ ألأكبر" – الذي
صوّره (جورج أورويل)في (1984)- منه إلى"مُنعم/فرات" ، أو آلهة الأساطير ألأخرى
"ومن ذلك إنّه يحسب قشور البرتقال في أكياس الأزبال
ومن ثمّ يقيس لترات العصير ليتأكّد له إّني أعمل بنزاهة."(ص79).
و (هو) ، مثل غيره من
الآلهة ، رحيم طبعاً " ولطالما غضّ النظر عن برتقالة
كلّ ليلة ، كما إنّه عطّل أجهزة المراقبة ليجعلني أمضي إلى غرفتي دون محاسبة
"(ص79).
و (الكبير) – مثل
غيره من الآلهة – يُحبّ الطاعة والمُطيعين " وبعد
كلّ مراجعة ليليّة يرى تعليماتي المُلصقة على ظهر ألعصّارة لتفادي خسارة قطرة
واحدة ، فيوقّع على ترقيتي إلى درجة أكبر"(ص79) .
و (هو) أيضاً ، مثل
آلهةٍ عديدة ، يُحبّ (الأقوياء) ويحكي عنهم "يدقّ
على صدره ويردّد بأنّ فرانكو كان رجلاً حقيقيّاً .. فحل أقول لك "(ص81) .
ثمّ ، وبعد أن تكتمل
صورته كإله العصر ، يبدأ (الكبير) بسرد إعترافاته كمُنتحِل ، أو كفرد من عائلة
عبد الهادي أو محروق إصبعه ، في إمتداداتها الكونيّة أو العالميّة
"ومن ذلك أمضي بحدبة مُصطنَعة ، تحسّسها ، لا تعتقد
أنت الآخر بأنّها حُدبة حقيقيّة ، بل إنّها أسرار فوق أسرار ، جبل من شهادات
وموت وحروب وزوغان عين وإلتهابات أحاول أن أغطّيها لأنسى عائلتي .. عائلتي ألتي
تهيأ لها كلّ شيء من أجل ان تستمر كذكرى موجعة ، ليس لها غير إنتحالات وألبوم
صور وأسرار حتّى اليوم يكشفون عنها فتزداد مثل ألعفنْ ، بينما عليّ أن أغطّيها
بحدبتي هذه .."(ص81) .
كذلك يعترف (الكبير)
بانّه إنما (ينتحل) صفة (الكبير) إستجابة لضرورات عصره
" .. المهم بأن تمضي بكونك الكبير أمامهم ، وجدران
غرفتكَ مُزيّنة بشهادات وأوسمة وتزييف و صور وإبتسامات واهية ، أنا الوحيد
القادر على إزاحتها "(ص81)
ولأن "محروق إصبعه أو
عبد الهادي" يكتشف هذا الإمتداد الواسع والعميق لأسرة إنتحالاته ، فإنّه عندما
يخرج من غرفة(الكبير) ، بعد أنّ يسرّه بإعترافاته ، يشعر بإنتقاله العميق في
الزمان والمكان " أخرج إلى عملي أو إلى غرفتي برغبة
لقياس كيلومترات الخطوات على مدى أعوام وأعوام"(ص82) وهو إنتقال رمزي ،
وفعل يوغل في إتساعه ..!
فلقد كشف له (الكبير)
السرّ الذي لم يكشفه له أيّ من (آلهته) الأخرىالسابقة ، التي إكتفت بالإختفاء
ك(مُنعم فرات) مثلاً ، غضباً او حزناً ، وراح يتخيّل لعناتها تنصبّ على رأسه ،
فسكنه الرعب من أبناء فصيلته (الثيران) مرّة ، وتحوّل رأسه إلى حجر في أخرى ،
وفقد إسمه وذاكرته وهويّته من جرّاء ذلك .. بينما كشف له (الكبير) الحقيقة ،
حقيقة الصراع ، وهو في أن تصبح (الكبير) أو تنتحل صفته (أمامهم) ، أي أن تصبحَ
(جبّاراً) ولا بأس من ان تصبح (رحيماً)، فيما بعد ، فتتواطأ على سرقة برتقالة
مثلاً...!
*
* *
ويُعلن "بطلنا"
:"ولأنني حصلتُ على ثِقته فقد أمرَ أن أنتقِل للعمل
برفقته"(ص79).
"للعمل
برفقته" ولكن اين ؟؟!
أن تترقّى للعمل معه
، وهو (الكبير) فلا بدّ أن يكون ذلك في موقعه ، في المكان ألذي يليق به ، في
ألسماء السابعة أو في (سماء/جنّة) عالمنا المعاصر ، لأنّه (كبير) يوغل في
مُعاصرته " أمضي وأجيء مع الكبيرمن محلّ إلى آخر .
آخرها في حفل تكريم حضرته وجوه تشبه ما أراه كلّ ليلة ، ولكنّهم يُنادونهم
بألقاب وأوسمة وجاكيتات سموكن برفقة بياض وألوان طواويس بملابس نسائيّة "(ص82)
اليست هذه (جنّة) عالمنا المُعاصر ؟ حيث الطبقات (العُليا) تعيش وتعشّش في
سماواتها السابعة ؟! اليست هي (الجنّة) التي تتطابق مع (الكبير) المعاصر ، الذي
هو ( الاخ الأكبر) ممزوجاً بتراث له إمتداد الواقع وعمق الإسطورة ؟!
" أمضي
خلف الكبير من زاوية لأخرى ، يزيّن يأمر ، يشير ، يترفّق ، ينبح "(ص82)
ولإنّ (الكبير) ليس
بمُنعم ولا فرات ، الإله الغامض المُلتبس ألذي إنتحل الغياب إختياراً ، ولأن
محروق إصبعة وعى ذلك من إعترافه وهو (الكبير) ، فإنّه لا يتورّع عن وصف صراخه
ب(النباح) ، أيّ إنّه لن يتحسّر على إختفاءه إذا ما (فعلها) كما تحسّر على
مُنعم فرات من قبله ..
ثمّ لأنّه (أجبر) على
بيع "ذاكرته" ، و(أجبر) هنا لأنّه بدأ (في وعيه أو لا وعيه ) يكتشف الحقيقة ،
ويّزيح (لعنة ألسرداب) عن كاهله ، كما إنّه (بأثر رجعيّ) يكتشف بأنّه ليس
المسؤول عن تحوّله إلى (حراكة) ، في مركب أو بدونه ، لا لشيء إلا لإنه بلا
(قصّة مُقنِعة) ، فقد كشف السرّ الآن و لذا فإنّه يعرف خواء (الجنّة) التي
سيدخلها ، وإنّه سيواجه ثلّة من (المُنتَحِلين) – مثل (الكبير) - هناك .. بينما
( هو ) رغمَ تقاطر ألأسماء على رأسه ، يعي إنتحاله ويعترف به ، و يعرف بأنّه لا
يمكن لجنّة أن تحتويه ، فهو مثل "الصعلوك شارلي" بلا سماء يحتمي تحتها ، ولا
ظلّ يلوذ به ، ففي غمرة (إستمتاعه) ب(آلته) الجديدة
" يتطافر ألعصير على يدي أوّلاً ، وأحاول ان أتحاشى فورته ، يتصاعد وينسكب على
المنضدة ، على الجاكيتات والوجوه والعيون المفتوحة على وسعها فتضيق فتحات
العيون هرباً من الحرقة والدبق والفضيحة أمام فلاشات الكاميرات المُضاءة . يسقط
الكبير ولا أرى منه غير حدبة عالية كتلّ ناشز وسط أرض مُنبسطة ببياض ملابس
تبقّعت بألعصير واصبحت قريبة الشبه بعلم هولندا "(ص83) هكذا ، ولتأكيد
قصديّة ما فعل ، ربما بلاوعي أيضاً ، هو إصطباغ الملابس البيضاء بالعصير لتُصبح
شبيهة بعلم حلمه (هولندا) حيث يريد (اللجوء) ..!
ولإنّه حاله كحال
"شارلي الصعلوك" ربطته أزمنته الحديثة ب(آلته) فأنّه "يضبّ" انف مسؤوله
مُعتقداً إنه "صامولة" :"ولأنني مُتغافل ومستمر
بالعصر ، تنزلق الصحون ، وتنزلق أيدٍ من كلّ مكان لتحملني خلف ستارات ، خلف
أبواب ، خلف بنايات وترمي بي .."(ص83) .
و (هو ) الآن ، لا
ينطلق (إلى أمام) مثل ثور ، لإنّه ما عاد له أمام بعد أن إكتشف أسراره ، فقد
جرّب ، في رحلته ، ( الدليل ، والمخبرين ، والمنقذ ، ورئيس الوزراء ، والمعلّمة
، و .. الكبير أخيراً ) ، لذا ينظر إلى قطعة "التشينكو" المُعلّقة على البناية
ب "جملتها السحريّة" :(البناية
مؤمّنة من الحريق) : " انهض إلى المطبخ .
أخلّص الرفّ من البرتقالات برميةٍ واحدة .
أعود
حاملاً عُلبة ثقاب "(ص83) .
* فقرات من
قراءة مُطوّلة ل (إنتحالات عائلة) مجموعة " عبدالهادي سعدون " القصصيّة
.. |