|
قلةٌ فقط في الحي الذي
عاش فيه طفولته يعرفونه, أو بالكاد يتذكرون اسمه" فؤاد".
مشتت هذا التراب بين
الداخل والمنفى, ووحدها السماء التي تراقب الجانبين تعرف بدقة لحظة الانفصام أو
اقتلاع الجذور عنوة لتزرعها في بيئة لا تعرفها, هواء لم تألفه, وحتى شمس لم تسمر
الجباه تحت وطأتها.
كان عنوانه في مدينة
حلب بالإضافة لاسمه المعروف جداً في أمريكا كطبيب جراح هو كل ما يملكه قبل أن يقرر
الذهاب هذا الصيف لزيارته في مدينة أجداده كضربة حظ دون سابق موعد, أو هكذا كلَم
نفسه " عله يجده". كان الزمن الذي تستغرقه الرحلة من دمشق إلى حلب هو الآخر قد تغير
بعد أن غاب هو الآخر عن مدينته القديمة أكثر من ثلاث سنوات, نعم لقد كانت فترة
طويلة جداً بالمقارنة مع المفاجآت التي رآها عندما عاد منذ شهر تقريباً.
كانت الشمس تشرق من حلب
عندما لاح له صباحاً ذاك المرج الأخضر على مشارف المدينة, ومع النسمات الباردة
صباحاً بدأت حلب بقلعتها وأحيائها الجميلة تمد له يدها في استقبال لم يشعر به غيره
بعد أن مضى حوالي ست سنوات على زيارته الأخيرة لهذه المدينة العظيمة.
كان أبو فراس مازال
مسجوناً, وكأن المتنبي رغم هذا يخاطبه في قاعة القصر أن يحسب الشحم فيمن شحمه ورم,
وما أكثر الأورام التي نعاني منها الآن, وكم يحتاج أهالي حلب إلى خبير كالدكتور
فؤاد ليساعدهم في التخلص من بعض معاناتهم اليومية. أيها الوطن: نحن الغرباء عنك حتى
هنا, وأنت مازلت كما كنت وكأن ملامح وجهك لم تتغير كجدران هذه القلعة الشاهقة,
عراةٌ أمامك حتى أخمص القدمين نقف دون خجل, وكأن الخدر الذي أصابنا حسبناه الدواء
وليس الداء. كيف لا يحصل هذا الغْلط بعد أن فقد أهلك من يرشدهم ويفتح أعينهم على
سماءك الحقيقية وعبق ترابك الندي.
طفالى نحن يسرقنا الزمن
من آباءنا, ونبتعد أكثر وأكثر, تدعونا أضواء المدن البعيدة فتغرينا فننسى عظمة نور
شمسنا, يسير الزمن بنا بعيداً دون حساب وكأننا نغرق في محيط أعمق من الساقية التي
كنا نلعب حولها خلف دارنا القديمة. لم يك بيت الدكتور فؤاد في حي الأنصاري غريباً
عن بيته في حي الميدان الدمشقي, بل كان هو والدكتور فؤاد نفسه غرباء عن بيتيهما,
وكأن البيت يقول لك عندما تعود مستقبِلاً " هل تغيرت كثيراً.. ما تغيرت كثيرا..
انظر إليًّ تجدني مثلما كنت صغيراً وجميلاً".
كان حي الأنصاري - منذ
ساعات الصباح الباكر- يعج بأصوات المواصلات والباعة الجوالين وحديث المارة, وكانت
العيون حوله تعطيه نفس الشعور الذي أحس به لحظة مسيره في شوارع دمشق لأول مرة بعد
غربته هو الآخر عن مدينته القديمة, وكأن العيون ترحب بعودته مجدداً وتلومه لغيابه
كل هذا الوقت, ولكن الفرح والعتب يتحول مزيجاً من دموع فرح ترطب تراب الوجه الذي
طالما تاق لهذا المطر.
لم يكُ يدري تماماً من
سيفتح الباب له, حيث أنه لم يكُ متأكداً أنه سيرى الدكتور فؤاد أو لا,حيث أتى على
أملٍ بلقائه بعد أن ذكر له فؤاد أنه ربما سيعود هذا الصيف لزيارة أهله. كانت
الطرقات الأولى كافية ليسمع صوتاً كصوت والده. بدأت كل ذكريات الماضي تُختزل الآن
في لحظة واحدة, وكأن كل السنين الماضية أتت لتقف معه بانتظار والد فؤاد ليفتح
الباب, وقد شرعت نيران شوقه لتلك اللحظة بالتأرجح أكثر فأكثر, وكأن الثواني تمر
كساعات طويلة مع ازدياد شغفه ليرى الدكتور فؤاد. تعانق هذا الشوق مع صوت فتح الباب
القديم, حتى شعر أنَّ والده من يسكن هنا عندما سمع صوته يخاطبه: من هناك. وحدها
كلمة: السلام عليكم التي قالها لحظة فتح العجوز له الباب كانت كافية لاشعال الأرض
فرحاً تحت أقدام العجوز وحسرةً تحت أقدامه.
كان يذرف الدموع غزيراً
حزيناً لأقصى درجات الحزن عندما ضمه العجوز لصدره, وبدأ بتقبيل وجنتيه ذارفاً دموع
الفرح, بعد أن تعالى صوته, كأصوات مآذن حلب وأبراج قلعتها وساحات حدائقها وجامعتها
وصخب أسواقها, مرحباً بعودة الدكتور فؤاد. كانت المدينة كلها ترقص لفرح العجوز
الضرير بعودة ابنه الدكتور فؤاد, بل أن أحياءها تراكضت إليه, وهبطت قلعتها تلتها
سريعاً ملبيةَ نداء العجوز الضرير لتستقبل الدكتور فؤاد.
لم تكُ الدموع التي
ذرفها حزناً على يدي العجوز كفيلة باطفاء لهب شوقه, ولم تكُ كافية أيضاً بتحقيق
حلمه في رؤية ولده الذي طالما تاق شوقاً لرؤيته, بل أججت نار فرحه بعودة ابنه أكثر
وأكثر, حتى شعر أن سنابل القمح قد تيبست ونضجت قبل أوانها, وأزهرت من جديد أشجار
الفستق الحلبي في تناغم اسطوري عبثي دافعه الوحيد فرح العجوز الضرير بعودة الدكتور
فؤاد" ابنه".
|