|
الفريسة
كانت
السيدة الصغيرة تشعر بالإحباط وهى تقف أمام باب عيادة طبيب الأسنان . كان
الباب مغلقا . لم تنم الليلة الفائتة بسبب ألم أحد الأضراس . وضعت يدها على
زر الجرس . ضغطت الزر ثلاث مرات ، ثم أنزلت يدها بحركة يائسة . ولم تكن تدرى
أن عينا تراقبها من وراء العين السحرية للباب المقابل لعيادة الطبيب وأن هذه
العين تنتظرها منذ أن طقطق حذاؤها على أول درجات السلم . ولم تدر أيضا أن هذه
العين تتربص –
دائما –
لطقطقات الأحذية النسائية التى تعلو بشكل لافت بفعل رخام السلم وهدوء المنزل
الشديد ، فتلتقطه الأذن المتربصة المتربة .
أنفرج باب الشقة
المواجه لباب عيادة الطبيب ببطيء، ليكشف عن امرأة عجوز . كانت العجوز تلبس
ثوبا طويل ، وعلى رأسها طرحة سوداء –
أيضا انحسرت قليلاً عن الرأس لتكشف عن شعر فضى لامع كانت منحنية ، وتكاد تكون
فى انحنائها تشبه رقم أثنين.
مظهرها كان
كئيبا إلى الدرجة التى جعلت قلب السيدة الصغيرة ينقبض لمرآها ، خاصة وقد صاحب
فتح باب شقة العجوز هبوب رائحة عفونة .
قالت المرأة
العجوز بصوت مرتعش :
-"
الممرضة تأخرت عن موعد فتح العيادة "
قالت السيدة
الصغيرة :
-" لا باس .
سأنتظرها هنا "
قالت المرأة
العجوز :
-" تفضلى أنا
أعرف تليفون منزل الدكتور . سأتصل به ليأتى حالا . منزله قريب من هنا "
فتحت العجوز الباب
عن أخره :
- "
تفضلى "
السيدة
–
بدافع الإحراج –
عبرت باب الشقة بخطوات خجولة، ولكنها بمجرد أن خطت داخل الشقة ، حتى شعرت
بالخوف . الإضاءة داخل الشقة كانت ضعيفة . الأثاث قديم متهالك . براويز الصور
الأبيض والأسود المعلقة على حائط الصالة ، توحى بالكآبة ، بالإضافة إلى رائحة
العفونة التى تغمر الشقة .
أنخلع قلب
السيدة الصغيرة ، عندما أغلقت المرأة العجوزة باب الشقة . استولت عليها
–
على الفور –
وساوس واخيله عن أشخاص يخرجون من إحدى الغرف يذبحونها ثم يستولون على حليها
الذهبية . شعرت بالسخط على نفسها لأنها قبلت الدخول فى شقة غربية . تساءلت فى
نفسها : هل استدرجتها العجوز إلى فخ ؟ . شعرت بالندم كانت لا تزال تقف أمام
العجوز بالقرب من الباب .
قالت السيدة
الصغيرة بصوت هامس :-
- " أشكرك سأنتظرك
الدكتور بالخارج " .
ربتت العجوز على
كتف السيدة فشعرت السيدة بقشعريرة تسرى فى جسدها :
- " أنت مثل ابتنى
. لا يصح أن تنتظرى على السلم "
دفعت العجوز
السيدة الصغيرة برفق إلى الداخل ، فأزداد توجس السيدة وفكرت في الصراخ ولكن
شيئا فى داخلها أحبط هذه الصراخ وأجله إلى أول بادرة سوء .
ما أن جلست
السيدة الصغيرة على أحد كراسى الصالة ، حتى جالت ببصرها فى أرجاء الشقة التى
تنبعث رائحة العفونة من كل أرجائها . توقف نظرها على الحائط المرصع بالصور
الأبيض والأسود . كانت العجوز تتابع نظرتها .
أشارت العجوز إلى
صورة رجل غليظ الملامح يحمل شارب غليظ أيضا :
- " أنه المرحوم
زوجى . كان طبعه صعبا .؟ معاملته كانت جافة ، ولكن تعودت عليها . فى أول
الأمر كنت أحزن عندما كان يشتمنى ، أو تمتد يده إلى ، ولكننى فى نهاية الآمر
لم أعد أتأثر كثيرا من ذلك . تعودت عليه . كل رجل له بعض الطباع السيئة . رحل
منذ عشر سنوات . صراخه وشتائمه أرحم بكثير من أن يجلس الإنسان ليكلم نفسه
طوال النهار " …
السيدة الصغيرة
التى بدأ أثر الدواء المسكن يزول عنها ، بدأت آلام الضرس تعاودها من جديد ،
وأخذت تفكر بغيظ –
بعد أن هدأت هواجسها قليلا من ناحية العجوز –
فى الممرضة التى لم تفتح العيادة حتى الآن والطبيب الذى تأخر.
واصلت العجوز :
- " الأيام تمضى
متشابهة .لا يزورنى أحد كما ترين . أحاول خدمة نفسى على قدر استطاعتى " .
أشارت العجوز إلى
برواز كبير يحمل صورة نصفية لشاب فى ملابس عسكرية :
- " أبنى . مات فى
النكسة . كادت عينى تنطفى حزنا عليه ".
نهنهت بصوت خفيض
. مسحت عينيها فى الطرحة السوداء ، ثم تمخطت فى طرفها :
- " لا زلت
أبكيه حتى الآن .
كانت السيدة
الصغيرة قد أصابها الملل وهاجمها آلم الضرس بضراوة ، وشعرت بعدم قدرتها على
الإنصات للمرأة العجوز .
قالت السيدة
الصغيرة بنفاد صبر :
- " قلت
أنك تعرفين رقم تليفون الدكتور . هل يمكننى الاتصال به "
قالت العجوز بلهجة
مذنب يعترف :
- " معذرة يا
أبنتنى . ليس لدى تليفون " .
انتقضت السيدة
الصغيرة واقفة ، وهى توجه إلى العجوز نظرات ملتهبة .
قالت العجوز بود :
- " لا تتعجلى .
سيأتى الطبيب حالا . أنظرى إلى هذه الصورة . أنها أبنتى . هذه صورة زفافها .
هى فى أمريكا الآن مع زوجها…
" .
دون أن ترد
السيدة الصغيرة ، اندفعت تجاه باب الشقة . فتحت الباب . أغلقته وراءها بعنف .
اندفعت تعدو إلى السلم غاضبة . كادت أن تصطدم بسيدة أخرى كانت تصعد السلم .
السيدة الصاعدة كان كعب حذاءها يطقطق على درجات السلم ، بينما شرعت عين فى أن
تتخذ مكانها خلف العبن السحرية للباب المغلق توا .
|