أحلام
السـيد سـعيد
آه لو استطاع النوم لفترة أطول. بهذه الكلمات
أنهى سعيد كل محاولاته اليائسة للنوم دقيقة أخرى. كان مسيره في تلك المتاهة
صعباً جداً, وبالكاد رأى ضوء الشمس يتسلل من خلال الأشجار المقطوعة هنا
وهناك, حتى خّيل له أنه يسير في غابة مظلمة ليلاً وليس نهاراً كما كان
حقيقةً.
لم يستطع رغم بحثه الطويل ايجاد عمل آخر محاولةً
لكسب مصدر آخر من المال, حتى يسد الفتحات في جوربه بشراء واحد جديد, عدا عن عدم
قدرته على سد مصروف البيت الذي أخذ بالتزايد بعد أن رزق بالطفل الثالث " عمر ".
لم يصدق انه يحلم, أو هكذا بدا له بعد أن استيقظ
لأول مرة على صوت الصغير يبكي, ولعلمه أن زوجته ستهتم بالصغير, فقد بدت له فكرة
النوم مرة أخرى نصراً لم يكُ يحلم به هذا الصباح.
كان يسمع صوت أوراق الشجر وأغصانها المتساقطة
تتقصفُ تحت أقدامه, وكلما تأكد أنه يسير نهاراً مع كل ضوء يأتيه, يعاود الظلام
سطوته حتى يدخل الشك لقلبه مرة أخرى.
بدأت الأشجار تتحول إلى وجوهٍ قد آلفها من قبل,
فها هو وجه مديره في العمل يسأله عبر الهاتف باحضار بعض الملفات التي يفترض أن
يكون قد انتهى منها ووضع دراسة اعتيادية لها حسب الروتين الذي سار عليه طوال
عشر سنين خلت.
كان يصر على خوض غمار حلمه المظلم رغم كل ما
شاهده, وكأنها محاولته الأخيرة للخروج من تلك الغابة, أو فضوله لمعرفة ما سيؤول
إليه مصيره.
عندما عاد للنوم للمرة الثانية سمع صوت جارهِ أبو
سلمان يقول له وهو ُيسبح دون أن ينظر إليه بعد أن يذكره بتاريخ اليوم وكم مضى
على نهاية الشهر: متى ستزورنا أخ سعيد؟ كان يهرب منه كشجرة أخرى في الغابة وهو
يقول: انشاء الله غداً مساءً
حاول جاهداً السير خطوة واحدة إلى الأمام وكأن
الأشجار رغم مسافاتها تطبق عليه, حتى بدا يراوح مكانه محاولاً أن يتطاول برأسه
ليشق طريقه في حافلة الركاب الصباحية إلى داخل الباب عند الصعود إلى الحافلة,
أو محاولاً النزول عند الوصول للموقف الأخير هروباً من هذه المعمعة. كم مرةً
سار به الباص الصغير إلى الموقف التالي, بعد أن ظن السائق أنه استطاع النزول في
الوقت المحدد, بينما سعيد كان مازال يحاول عبثاً الوصول جاهداً إلى باب علبة
السردين. بدأ يشعر البرد في قدميه المكشوفتين, عندما دخل مستنقعاً في الغابة
وكأن الصغير الذي ينام على مقربة منه قد بال على قدميه في هذا البيت المكتظ
كالجحيم. لم يستطع سعيد الانتقال إلى البيت الآخر الذي يملكه أبو سلمان والمكون
من غرفتي نوم لعجزه المدقع عن دفع أجار بيته الحالي ذي غرفة النوم الوحيدة, لذا
كان على أفراد الأسرة التقلب فيها ليل نهار كما يتخبط هو في مستنقع الطين.
رغم خروجه اليائس أخيراً من مستنقع الطين, إلا
أنه خروجٌ مثقلٌ بالطين ورائحة المكان النتن ومثقل أيضاً بالأعذار لزوجته عندما
تسأله زيارة أهلها في المدينة الأخرى لعلمه المسبق كم ستكلفه تلك الزيارة, بنفس
الوقت الذي يحتاج فيه لزيارة جاره إبي سلمان كل آخر شهر.
عبثاً حاول تغطية رأسه للهروب من بكاء الصغير مرة
أخرى, ولكنه مالبث أن وجد نفسه يسير في تلك الغابة المظلمة, وكأنها قدره كلما
حاول العودة للنوم, ومع هذا فقد تشبث هذه المرة بكل زاويةٍ من الحلم, محاولاً
أن يطبق بالأشجار على جسده النحيل حتى لا يستيقظ أبداً, بعدما أصبح جلياً له
أنه بحاجه للنوم طويلاً للوصول دون مشقه إلى النهاية السعيدة لهذا الحلم
البائس.
عبثاً حاول سعيد أن يدفن نفسه في مستنقع الطين
مرةً أخرى, متنازلاً عن فكرة المسير الفظِّ فيه. حتى أنه بدأ يحفر بأظافره أرض
المستنقع محاولاً التوغل عميقاً بعيداً عن أشجار الغابة, وعن ظلمتها, وعن نورها
المزيف.
عبثاً حاول سعيد ذلك, ولكن صراخ الصغير للمرة
الثالثة كان أقوى من أشجار الغابة الباسقة, وأعمق بكثير من مستنقعها الطيني
النتن, ومضاءً ككرة الشمس في حلكتها, وأصدق بكثير من أضواءها الزائفة.
كتبت في
ديلاور في 14/ تموز/2003
|