نظر
الجزار إليه بقرف مشمئزاً من ثيابه العتيقة ، وهيئته الشاحبة وقال :
ــ إن شاء الله فرجت معك عكروش أفندي صرتَ تسألُ عن
سعر اللحمة ؟ ازدرد عكروش غصته وابتلع الإهانة متلعثما : ــ يعني .... كنت
..... أفكر ... بس .
ــ فكـِّر عكروش أفندي فكـِّر على راحتك .... الكيلو
بخمسمئة .
سارع عكروش هاجماً دونما تفكير على كأس الماء المتروك
على طاولة جانبية ، ارتشف ما تبقى فيه علّ الكلمة التي وقفت بالعرض في حلقه
تتزحلق إلى مجاهيل أمعائه . وهمّ بالخروج لكنه توقف أمام فخذة حمراء مثيرة
معلقة في مدخل الدكان ، تملاها بناظريه طويلاً إلى أن زجرته كلمات سيفو
الجزار :
ــ دير بالك عكروش ترى النظر إلى اللحمة بفلوس لا
تأكلها بعيونك . لكن عكروش فرد جريدته بنزق ثم رمقه بنظرة شاتمة ومشى يطالع
الأخبار وسط زمامير السيارات وصراخ الباعة .
انتبذ زاوية متطرفة على الرصيف ، أسند ظهره للجدار
متوقفاً عند نبأ أثار فضوله واستغرابه ، راح يقرأ المانشيت العريض بصوت عال :
ــ " ما زالت أخبارها تستحوذ اهتماماً عالمياً "
وثمة عنوان فرعي صغير " سحرها يثير النساء قبل الرجال
" . تتقافز عيناه بين العناوين الفرعية والصورة ، قامة ممشوقة كغصن البان
تكور وسطها قليلاً ، وتعليق أسفل الصورة " الممثلة الهوليودية الشهيرة تؤمن
على مؤخرتها بمليون دولار " ، سارع إلى الصفحة الأولى ليتأكد من اسم الصحيفة
( الحقيقة المرة ) .
ــ نعم هي ، هل يعقل لصحيفة عربية بهذه الرزانة وهذا
الانتشار أن تنشر خبراً كهذا ، راحت عيناه تلتهم كلمات الخبر ليسد بها جوعاً
مزمناً : (( وروت الممثلة الكوميدية ميغان مولالي انطباعاتها عن لقائها
بجينيفر لوبيز قائلة : إن الزميلة لوبيز تملك مؤخرة ذات قياسات غير عادية
وشكل غير طبيعي .... ولا شك أن لوبيز جميلة جداً ، لكن مؤخرتها فاتنة وآسرة ،
ولا أتردد في القول إنها ببساطة ساحرة ، وتجعلك في حالة كأنك منوّم . تبدو
وكأنها تنتمي إلى كائنات لا نعرفها وليس إلى إنسان ، إنها مؤخرة مدهشة تكاد
لا تصدق ، لكنها تؤثر فيك ، وتترك لديك انطباعاً جميلاً )) *
تسقط يد عكروش إلى الأسفل ، ويمشي كأنما قد شرب ليتراً
من العرق السيئ وهو يحدث نفسه : ــ مليون دولار ؟! ثمن مؤخرة ... يخرب بيتها
لو وقعت في يد سيفو الجزار لباعها بالغرام ، وربما استبدل دكان اللحمة بمكتب
عقاري وباعها بالسنتيمتر مربع ، وأنا متأكد أن كل سنتيمتر واحد سيبني بثمنه
عمارة تسكن فيها عشرات العائلات ، إي بشرفي مؤخرتها تبني مدينة كاملة ، يمكن
أن نطلق عليها ( مدينة طيز لوبيز ) يا سلام وعلى القافية كمان ! .
وانفجرت من أعماق صدره ضحكة جعلت كل من يراه يوقن
حتماً أنه قد جن ، لكنه وكمن لم ير أحداً عاد يحدث نفسه :
ــ مليون دولار ؟! ترى إذا كانت النظرة إلى لحمة سيفو
بفلوس فكم تساوي النظرة إلى مؤخرة لوبيز هذه ؟ يالنا من أمة جاهلة لا تهتم
إلا بالصغائر ، العالم كله منشغل بأخبار الحقيقة المرة ونحن ....؟! نعم نحن !
يالنا من صغار ! مازلنا نبحث في مشاكل صغيرة منذ خمسين عاماً ونحن نلوك
فلسطين والقدس والآن العراق والفلوجة وكربلاء والنجف . نعم . نعم مازلنا صغار
، إي بشرفي نحن صغار ، تُرى إذا جمعنا مؤخرات الشهيرات في هوليود وبعناها وسط
هذا الحشد الإعلامي والاهتمام العالمي والجماهيري بمثل هذه القضايا الدسمة ،
يعني إذا جمعنا ثمن هذه المؤخرات ألا نستطيع إعادة إعمار العراق ؟
تجلجل ضحكة ثانية في صدرعكروش قبل أن يتابع حديثه مع
نفسه :
ــ أما زلت تهتم بإعادة إعمار العراق ؟ ألم أقل لك
ياعكروش أننا صغار ؟ ها أنت تثبت لنفسك أيضاً أنك صغير وتافه مثل حشرة صغيرة
، رغم أنف شهادتك الجامعية ، ورغم أنف مؤلفك الشهير الذي بعته بثمن بخس لصاحب
دار الدفاع ، ونسبه لنفسه ، نعم صغير أنت ، لو أنك منذ البدء فكرت في كيفية
الوصول إلى مؤخرات كهذه ، لكنت الآن من أصحاب الملايين ، نعم ولما سخر منك
سيفو ، طز على سيفو وعلى لحمة سيفو . طز على العراق وفلسطين . راح الصوت يعلو
تدريجاً والجسد يدور حول نفسه متراقصاً ومغنياً بآن :
طز بالأمة طز تحيا أمريكا والانكليز
طز بسيفو طز تحيا مدينة لوبيز
لكن سيارة جيب بيضاء توقفت بالقرب منه، ترجل منها
فارسان ، حملاه بمنتهى الرفق والحنان .... ألقيا به في غياهب الجيب الذي
انطلق مسرعاً بينما عكروش يتابع رقصه وغناءه إلى أن فاجأته لكمة رقيقة بكعب
بندقية حديثة ، جعلته يتوقف عن الغناء ... يصمت .... يخرس ... تنثال دمعتين
من عينيه ... يردد في نفسه :
ستبقى صغيراً ياعكروش ، أمضيت شبابك تلهث خلف مؤخرات
أولاد تغريهم بسيكارة تارة وبقطعة نقدية تارة أخرى ، تقضي فيهم شهوتك
الحيوانية إلى أن انفض الناس من حولك . ستموت وحيداً يا عكروش ربما بضيافة
هؤلاء الفرسان ، تقتلك الحسرة على مؤخرة لن تراها إلا بصحيفة عربية . لكنه
صرخ فجأة وبملء صدره :
ــ لا .
فاتحاً الباب الخلفي للجيب ومندفعاً بجسده ليتدحرج على
إسفلت الشارع كخنفسة حمراء مرقطة بالأسود .
الكويت 13 / 5 / 2004
----------------------------------------------------
* جريدة القبس
الكويتية . العدد : 11106 ــ 12/5/2004