كان
يوم إجازة لها وسط دولاب العمل ، فرأت أن تنتهز الفرصة لتسترخى فى سريرها ،
لاتطبخ ، لا تغسل ، لا تنفض السجاد . يوم من الأيام القليلة التى تمنح جسدها
المتعب فرصة الراحة ، والخمول اللذيذ .
إستلقت تتمرغ على سريرها العريض بلون الماهوجنى المحبب
إلى قلبها ، والذى يذكرها بأعماق القارة الأفريقية . هى لاتريد أن تتذكر أى
شىء . كل ما يهمها أن تعيش فى فضاء كونى بلا حدود . ليست مستعدة للحديث مع أى
كائن يعكر عليها صفو وحدتها . لذلك قررت أن تعيش اليوم فى عزلة ، وتستمتع
بوحدتها كأنها تعود إلى رحم الأم ، حيث السكينة والهدوء . لو رن جرس التليفون
فلن تتحرك . ولماذا التليفون أيضا ؟ ستقطع كل صلة لها بالعالم الخارجى . لن
تفتح لبائع اللبن الكهل حتى لو ظ يطرق الباب بقبضة يده ، ولن تطل من الشرفة
لتتفقد نباتاتها الخضراء فى الأصص الصغيرة . فقط ستهب الآن لتسدل الستائر على
النوافذ . مهمة لن تستغرق سوى لحظات .
فى طريقها لتسدل الستائر الفستقية واجهها بصورته . كان
يرنو إليها بهدوء محبب تعرفه . نظرته الواثقة تسمرت فى عينيها الواسعتين
العسليتين ، فمدت يدها ومسحت الزجاج ، لاحظت بعض الغبار الخفيف ، فشعرت
بالحرج .
مدت يدها لتنتزع الصورة بإطارها الذهبى المموج . عادت
إلى السرير الذى كان يقاسمها إياه قبل سفره إلى الخارج منذ عام كامل وبضعة
شهور . بهتت وهى تشعر بدموعها تنحدر دون إرادة منها ، ثم وهى تحدثه عن العصر
الجليدى الذى غزا قلبها منذ ودعته فى المطار .
سمعت ضحكته المجلجلة ترن فى أرجاء الغرفة ، وصوته
الأجش الخشن الذى يمكنها أن تميزه من ألف صوت يواسيها . هى متأكدة أنه استدار
بوجهه نحو الشرفة ، بل سبقها ليشغل مقعده ، وقد رأت ان تتبعه ،و تفتح النوافذ
ثانية ؛ فهو يحب صخب الشوارع ، نداءات الباعة ، ضجيج أطفال المدارس ، قامت
وأعدت فنجالين من القهوة التركى العتيقة !